سيد محمد طنطاوي
228
التفسير الوسيط للقرآن الكريم
ثم ساق - سبحانه - ما يدل على كمال قدرته ، ونفاذ مشيئته فقال - تعالى - : * ( اللَّه يَتَوَفَّى الأَنْفُسَ حِينَ مَوْتِها . . . ) * أي : اللَّه - بقدرته وحدها يقبض أرواح مخلوقاته حين انتهاء آجالها بأن يقطع تعلقها بالأجسام قطعا كليا ، ويسلب هذه الأجسام والأبدان ما به قوام حياتها ، بأن تصير أجساما هامدة لا إدراك لها . ولا حركة فيها . وقوله - تعالى - : * ( والَّتِي لَمْ تَمُتْ فِي مَنامِها ) * معطوف على الأنفس ، أي : يسلب الحياة عن الأنفس التي انتهى أجلها سلبا ظاهرا وباطنا ، ويسلب الحياة عنها سلبا ظاهرا فقط في حال نومها . إذ أنها في حالة النوم تشبه الموتى من حيث عدم التمييز والتصرف . فالآية الكريمة تشير إلى أن التوفي للأنفس أعم من الموت ، إذ أن هناك وفاتين . وفاة كبرى وتكون عن طريق الموت ، ووفاة صغرى وتكون عن طريق النوم . كما قال - تعالى - وهُوَ الَّذِي يَتَوَفَّاكُمْ بِاللَّيْلِ . . أي : يجعلكم تنامون فيه نوما يشبه الموت في انقطاع الإدراك والإحساس . . وقوله - تعالى - : * ( فَيُمْسِكُ الَّتِي قَضى عَلَيْهَا الْمَوْتَ ويُرْسِلُ الأُخْرى إِلى أَجَلٍ مُسَمًّى ) * بيان لحالة الأنفس التي انتهى أجلها ، والتي لم ينته أجلها بعد . أي : اللَّه - تعالى - وحده هو الذي يتوفى الأنفس حين الموت ، وحين النوم ، أما الأنفس التي انتهى أجلها فيمسك - سبحانه - أرواحها إمساكا تاما بحيث لا تعود إلى أبدانها مرة أخرى ، وأما التي لم يحن وقت موتها ، فإن اللَّه - تعالى - يعيدها إلى أبدانها عند اليقظة من نومها ، وتستمر على هذه الحالة إلى أجل مسمى في علمه - تعالى - فإذا ما انتهى أجلها الذي حدده - سبحانه - لها ، خرجت تلك الأرواح من أبدانها خروجا تاما ، كما هو الشأن في الحالة الأولى . ولا شك أن اللَّه - تعالى - الذي قدر على ذلك ، قادر أيضا - على إعادة الأرواح إلى أجسادها عند البعث والنشور يوم القيامة . فالآية الكريمة مسوقة لبيان كمال قدرة اللَّه - تعالى - ولبيان أن البعث حق ، وأنه يسير على قدرة اللَّه التي لا يعجزها شيء . ولا منافاة بين هذه الآية التي صرحت بأن اللَّه - تعالى - هو الذي يتوفى الأنفس عند موتها ، وبين قوله - تعالى - : قُلْ يَتَوَفَّاكُمْ مَلَكُ الْمَوْتِ . . وقوله - تعالى - حَتَّى إِذا جاءَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ تَوَفَّتْه رُسُلُنا . . . لأن المتوفى في الحقيقة هو اللَّه - تعالى - وملك الموت